عين على الخارج

اخبار الرياضة

علوم و تكنولوجيا

مداخلة السيد حكيم بنشماش، رئيس مجلس المستشارين في الندوة الوطنية لمؤسسة فكر

مداخلة السيد حكيم بنشماش، رئيس مجلس المستشارين في الندوة الوطنية لمؤسسة فكر



مداخلة السيد حكيم بنشماش، رئيس مجلس المستشارين في الندوة الوطنية لمؤسسة فكر  في موضوع :
سنوات من تطبيق الدستور 2011-2016 : الحصيلة و الآفاق
أيتها السيدات و السادة،
أود في البداية أن أشكر مؤسسة فكر على تنظيمها للندوة الوطنية بوصفها لحظة للتفكير المشترك في مسارات و مآلات إعمال مقتضيات الدستور و نحن على أبواب انقضاء مدة الولاية التشريعية الأولى التي تتلو صدور الأمر بتنفيذ الدستور.
كما أود أيضا أن أثمن حرص المؤسسة على ضمان تعدد مواقع و منظورات و أصوات و تجارب المشاركات و المشاركين في أشغال هذه الندوة، و لذا فإني سأساهم في تقديم محاولة تقييم أولي لبعض جوانب إعمال الدستور ذات العلاقة بالعمل البرلماني، حيث سأستثمر في هذه المحاولة دوري كرئيس سابق لفريق حزب الأصالة و المعاصرة بمجلس المستشارين و كرئيس حالي لمجلس المستشارين.
 و إذا كان من الممكن تقديم هذه العناصر الأولية انطلاقا من التشخيص المتقاسم بين عدد من الفاعلين السياسيين و الأكاديميين و المدنيين بخصوص القضايا الكبرى لتفعيل الدستور في مقتضياته المتعلقة بالعمل البرلماني، فإني أود بالمقابل أن أتقاسم معكم تجربة منهجية أخرى تتمثل في محاولة تحديد الموضوعات الرئيسية و كذا العناصر الأولية لتقييم العمل البرلماني انطلاقا من الخطب الملكية، لاسيما الموجهة في افتتاح الدورات الأولى للسنة التشريعية.
ذلك أن تحليل هذه الخطب يمكن الفاعلين المؤسساتيين المعنيين من وضع اليد على الجوانب الأكثر إشكالية في إعمال مقتضيات الدستور المتعلقة بالعمل البرلماني. و من ثم أقترح عليكم تمرينا أوليا لاستثمار هذه الخطب من أجل إضفاء الطابع الإشكالي problématisation على القضايا الرئيسية المتعلقة بالعمل البرلماني و الممارسة البرلمانية في ظل دستور 2011.
أيتها السيدات و السادة،
اكتست قضية  "عقلنة الأداء النيابي، بالانطلاق من تجانس النظامين الداخليين للمجلسين" (خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية الثامنة، 9 أكتوبر 2011) أولوية قصوى، و هو ما يحيل إلى مفهومي تناسق و تكامل النظاميين الداخليين للمجلسين، و هما مفهومان منصوص عليهما في البند الثاني من الفصل 69 من الدستور. و إذا كانت الصيغة الجديدة للنظامين الداخليين تحققان مستوى عاليا من التناسق و التكامل، سيما بعد التعديلات المتتالية التي طالتهما  فإن إعمال مقتضيات البند الثاني  المشار إليه يقتضي عملا إضافيا على مستوى عقلنة الزمن التشريعي عبر تقنيات "الزمن التشريعي المبرمج" le temps législatif programmé.
و ضمن نفس الإطار ، استحضرت الخطب الملكية بمناسبة افتتاح السنة التشريعية مسألة الجودة  التشريعية للقوانين، سواء في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية التاسعة (11 أكتوبر 2013) أو في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية التاسعة بمقر البرلمان (9 أكتوبر 2015) ، حيث تمت الإشارة إلى "استثمار التكامل بين مجلسي البرلمان للرفع من مستوى أدائه ومن جودة التشريعات التي يصادق عليها." و هو ما يتيح استنتاج أن إحدى الأهداف الأساسية  لتكامل و تناسق النظاميين الداخليين، تتمثل  في تحقيق هذه الجودة.
و يبدو من خلال التأمل في مسار إعمال الدستور، و هو التمرين الذي تطالبنا به جميعا هذه الندوة، أنه تمت إضاعة فرصة بنيوية كانت ستشكل، في حال لو تم اعتمادها، مدخلا أساسيا للجودة التشريعية، و هي المتمثلة في دراسة تأثير مشاريع القوانين المنصوص عليها في القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم و تسيير أشغال الحكومة  والوضع القانوني لأعضائها.  ذلك أنه لو تمت دراسة عناصر تأثير مشاريع القوانين من منظور حقوق الإنسان ،  و دراسة الآثار على الجماعات الترابية و دراسة الآثار المتعلقة بمخاطر الفساد، و هو الاقتراح الذي قدمته آنذاك مذكرة مشتركة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان و  الهيأة الوطنية للنزاهة و الوقاية من الرشوة، لتم تحقيق تقدم أساسي في جودة التشريع.
و أجدني من هذا المنطلق مهتما، من موقعي كرئيس لمجلس المستشارين بعدم إضاعة فرصة ثانية، تتمثل في استكشاف سبل تطوير النظامين الداخلين لمجلسي البرلمان، عبر حوار عميق مع مجلس النواب، من أجل إرساء آليات داخلية لجودة التشريع بالاسترشاد بصفة خاصة بعدد من التجارب المقارنة و خاصة تجربة منظمة التعاون و التنمية الاقتصادية  OCDE .  و هو ما سيمكن من " "استثمار التكامل بين مجلسي البرلمان للرفع من مستوى أدائه ومن جودة التشريعات التي يصادق عليها."  باعتباره هدفا تمت الإشارة إليه في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية التاسعة (9 أكتوبر 2015)
و إذا كان البند الأخير من الفصل 10 من الدستور ينص على أنه تحدد كيفيات ممارسة فرق المعارضة للحقوق المنصوص عليها في الفصل المذكور  حسب الحالة، بموجب قوانين تنظيمية أو قوانين أو بمقتضى النظام الداخلي لكل مجلس من مجلسي البرلمان، فإن من المثير للانتباه التوقف عند دلالات استعمال الخطاب الملكي لافتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية التاسعة (11 أكتوبر 2013) لمصطلح " النظام الخاص بالمعارضة البرلمانية" و هو ما يحيل على رؤية شمولية ومتكاملة للموقع الدستوري للمعارضة. و هنا من الممكن استكشاف "الفرص المعيارية الضائعة" من خلال ارتكاز  التكريس المؤسساتي لدور المعارضة، "لاسيما البرلمانية منها" على مقاربة تجزيئية، ساهمت الرؤية الحكومية لهذا الدور في قضايا رئيسية (مثال : التوزيع الزمني لجلسة المساءلة الشهرية المنصوص عليها في الفصل 100 من الدستور، دور البرلمان في التقدم بمقترحات قوانين تنظيمية، الممارسة الحكومية فيما يتعلق بتدبير التعديلات المقدمة من قبل فرق المعارضة على مشاريع قوانين المالية....) في عدم توفير الشروط المنهجية الضرورية للبحث عن أجرأة المنظور المتكامل للدور الدستوري للمعارضة.  و هو ما جعل الأداء دون هدف "  " ترسيخ علاقات تعاون إيجابي، بين الجهازين التشريعي والتنفيذي، وبين أغلبية متضامنة، ومعارضة بناءة" و هو الهدف الذي ورد في خطاب 9 أكتوبر 2011 المشار إليه.
أيتها السيدات و السادة، 
لقد اثارت أولى الخطب الملكية بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، التي أعقبت الدستور الجديد، فرص التكامل بين الديمقراطية التمثيلية التمثيلية و الديمقراطية التشاركية. فقد وردت الإشارة في  خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الثامنة للبرلمان (14 أكتوبر 2011) إلى "  تعزيز انخراط الفاعلين الجدد، من مواطنين وهيآت المجتمع المدني، ونقابات وقوى منتجة، ووسائل الإعلام، كشريك بناء، في بلورة وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية، والمشاريع التنموية، والاقتراحات التشريعية." غير أن مما يثير الانتباه أن  النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان لا يتضمنان إطار متكاملا يمكن على سبيل المثال  الجمعيات و المنظمات غير الحكومية المؤسسة بصفة قانونية و كذا الناطقين الرسميين باسم مقدمي الملتمسات و العرائض المشار إليهما في الفصلين 14 و 15 من الدستور التقييد في سجل المجموعات ذات المصلحة بغرض القيام بأعمال التواصل و الترافع داخل مجلس النواب و مجلس المستشارين.  و لا يبدو أن مقتضيات مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقين بأجرأة الفصلين 14 و 15 من الدستور  تتفاعل مع هذه الإمكانية. إن هذا التشخيص المؤسساتي ينضاف إلى عنصر تشخيص آخر يتمثل في غياب إطار قانوني و منهجي  موحد للتشاور العمومي و هم ما جعل الحوارات العمومية  التي تم إجراؤها منذ 2012 تتم بمنهجيات و طرائق مختلفة، مما يفسر إلى حد كبير تباين نتائجها من جهة، و يفسر الصعوبات التي صادفها التحمل البرلماني لنتائجها ، و يمكن الاكتفاء هنا بالإشارة إلى طبيعة النقاش بشأن بعض الخيارات الأساسية المتعلقة باستقلال السلطة القضائية كاستقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية مثلا.  

و لذا نوجد اليوم أمام تحد ذي طبيعة منهجية، و يمكن تقديم صورة مركبة له كما يلي : فبقدر أهمية مسارات الحوار العمومي و التشاركي بخصوص عدد من الموضوعات الرئيسية لإعمال الدستور التي تترتب عنها قوانين تنظيمية ، بقدر ما انعكست البرمجة الزمنية لمسارات الحوارات المذكورة على الزمن التشريعي ، في صورة تأخر في وضع مشاريع القوانين التنظيمية،و كذا في صورة تأخيرات متكررة للآجال الاسترشادية الواردة في المخطط التشريعي، و هو تأخر ينبغي النظر إليه على ضوء متطلبات الفصل 86 من الدستور، و بقدر ما يسجل أيضا تملك متباين و متفاوت لنتائج تلك الحوارات بين الفاعلين و  هو ما يفسر أيضا بتفاوت الطبيعة الإدماجية لهذه الحوارات. و يطرح ذلك آثارا لا يمكن إنكارها على مستوى بناء التوافق الإيجابي بخصوص مشاريع القوانين التنظيمية، و مدى تملك المشرع لروح هذا التوافق. و لذا لا يمكن الحديث إلا عن تحقيق جزئي  لهدف" اعتماد روح التوافق الوطني، ونفس المنهجية التشاركية الواسعة، التي ميزت إعداد الدستور، خلال بلورة وإقرار هذه القوانين التنظيمية" و هو الهدف الذي أشار إليه الخطاب الملكي لافتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية التاسعة (11 أكتوبر 2013).  و من المؤكد أنه كان من الممكن تحقيق نتائج أفضل تحت ظل هذا الهدف، لو تم تقوية الإطار المنهجي لهذه الحوارات، و كذا طابعها الإدماجي، و لو تم وضع إطار قانوني موحد للتشاور العمومي.  و هو ما كان سيساعد على " تغليب روح التوافق الإيجابي، وخاصة خلال إقرار القوانين التنظيمية المتعلقة بالمؤسسات الدستورية والإصلاحات الكبرى" باعتباره هدفا ورد في الخطاب الملكي افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية التاسعة (10 أكتوبر 2014).  و ضمن نفس المنطق ينبغي من وجهة نظري قراءة الدعوة الواردة في الخطاب الملكي لافتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية التاسعة (11 أكتوبر 2013)  إلى "اعتماد روح التوافق الوطني، ونفس المنهجية التشاركية الواسعة، التي ميزت إعداد الدستور، خلال بلورة وإقرار هذه القوانين التنظيمية".

أيتها السيدات و السادة،
لا يفوتني أن أشير أيضا إلى الآثار المعيارية الناتجة عن تخويل الفصل 70 من الدستور للبرلمان صلاحية تقيم السياسات العمومية. ففي النظام الداخلي للمجلس الذي أنتمي إليه تنظم المواد 264 إلى 269 مناقشة السياسات العمومية و تقييمها، غير أنه في انتظار استكمال التجريب الفعلي لهذا التمرين فإنه يتعين التفكير في الحلول المنهجية الضرورية للإجابة عن ثلاث تحديات مرتبطة بقراءة نسقية لمقتضيات الدستور:  
·       الربط المنطقي بين تقييم السياسات العمومية و استخدام جزء من الآليات الرقابية للبرلمانية، لا سيما الاستماع ، داخل اللجان البرلمانية إلى بحضور الوزراء أو مسؤولي الإدارات و المؤسسات العمومية. و كذا طلب القيام بمهام استطلاعية أو إخبارية.
·       الإمكانيات المتعلقة  باستثمار الدور الاستشاري للمؤسسات الدستورية
·       الإمكانيات الفعلية لمساهمة المجتمع المدني و الخبراء في حالة ما إذا قررت المجموعات الموضوعاتية المكلفة بتقييم السياسات العمومية  ذلك في منهجية و برنامج عملها.
تجدر الإشارة  إلى أن المشرع الدستوري استعمل لأول مرة مصطلح الدبلوماسية البرلمانية بشكل صريح في الفصل 10 من الدستور. و يبدو من خلال التقييم الأولي للممارسة البرلمانية في هذا المجال أن المجلسين في حاجة إلى تقوية  تقاسم و تكامل أدوارهما، و على سبيل المثال، يمكن لمجلس المستشارين  وضع خطة ديبلوماسية موازية موجهة نحو الغرف البرلمانية الثانية و البرلمانات الجهوية و مؤسسات التعاون اللامركزي على المستويين الإقليمي و الدولي و إلى المنظمات المهنية للمشغلين في الدول و منتديات رجال الأعمال و إلى الحركة النقابية العالمية و المنتديات الاجتماعية العالمية و الإقليمية.  و ترتكز هذه الخطة على فرضية أساسية مفادها أن هذه المجالات هي التي  يتوفر  فيها المجلس، بالنظر لتأليفه و طابعه التعددي،  على ميزة مقارنة.  و يبدو أن هذه المقاربة من شأنها المساهمة في "  بلورة مخطط عمل متكامل وناجع، يعتمد جميع آليات العمل البرلماني، لمواصلة الدفاع عن وحدتنا الترابية" و هي الدعوة التي وردت في الخطاب الملكي في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية التاسعة (11 أكتوبر 2013).
أيتها السيدات و السادة،
أود أن أشير في الأخير إلى أن إحدى الآثار الإيجابية لمسار إعمال الدستور، تمثلت في حث مجلس المستشارين على وضع خارطة طريق استراتيجية حاولت تقديم عناصر إجابة استراتيجية و إجرائية في آن واحد على التحديات المتعلقة بها الإعمال انطلاقا من الموقع الدستوري لمجلس المستشارين. إنني أشير بشكل خاص إلى العمل الجاري الآن من مأسسة العمل الترافعي للمجتمع المدني على مستوى المجلس، و المبادرات الجارية من أجل جعل مجلس المستشارين فضاء للحوار  العمومي و النقاش المجتمعي التعددي لا سيما بخصوص الموضوعات الرئيسية لإعمال الدستور و تحقيق الطابع الفعلي للتمتع بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و البيئية، و العمل الذي انطلق حاليا من أجل جعل مجلس المستشارين إحدى الرافعات المؤسساتية لإنجاح ورش الجهوية الموسعة  في إطار تفعيل مقتضيات الفصل 137 من الدستور. و لذا أدعو الفاعلين السياسيين و المدنيين و الباحثين إلى المساهمة في هذا المجهور الجماعي و تتبعه و تقييمه كجزء من مساهمة مجلس المستشارين في المجهود الجماعي لإعمال الدستور.
شكرا على اتباهكم.