عين على الخارج

اخبار الرياضة

علوم و تكنولوجيا

ساكنة اعالي جبال ازيلال بين سندان الثلوج والجفاف ومطرقة تاخر المساعدات



عبد العزيز المولوعتحولت جل القرى و الدواوير باعالي جبال اقليم ازيلال منذ اسبوعين إلى فضاءات معزولة عن العالم ، انقطاع الطرق ، انقطاع الاتصالات الهاتفية ،  انقطاع المؤونة عليها  وتعذر نقل المرضى و خاصة النساء الحوامل إلى المستشفيات ، كما انقطعت الدراسة في العديد من القرى بهذه المناطق  ، خاصة بجماعات: زاوية احنصال ، انركي ايت تمليل. ايت عبدي ,ايت بوكماز ’ايت عباس .ايت بوولي  بعدما تعذر على التلاميذ الالتحاق بمؤسساتهم  الدراسية نتيجة الثلوج التي حولت  الطرق الى جحيم حقيقي.ان الجماعات القروية السالفة الذكر الواقعة في أحضان جبال الأطلس المتوسط منسية مازالت تسيل ومع مرور الشهور مزيدا من الحبر والكلام . لكن قرى الجماعات  الطينية لم تكن سوى تلك الشجرة التي تخفي غابة من البؤس والتهميش . فسكان العشرات من الدواوير المحيطة بها يتقاسمون نفس المصير. مطالب التنمية، والخروج من دائرة الفقر لاتختلف إلا في تفاصيل تعمقها عزلة سنوية تمتد لشهور كاملة في السنة. ان هذه المناطق تكتوي بنار البرد وما يخلفه من استنزاف لجيوب المواطنين البسطاء من حطب للتدفئة و اغدية مناسبة و ادوية مضادة لنزلات البرد ومصاريف الحياة الاعتيادية ، وبات الهم الاكبر المشترك يرخي بديوله على اسر تعيش خارج الممكن ، في نقط متفرقة من اعماق جبال الاطلس المتوسط ، حيث يتعدى تعدادهم الارقام الرسمية ، ولا يفكر فيهم الا بعد ان تقفز اخبارهم من وسائل الاعلام ان وصلت ، موتى و مرضى و حصار و ضياع …عشرات الدواوير بجماعات زاوية احنصال ، انركي ، ايت عباس ، ايت تمليل ، ايت امديس ، ايت بلال ، ايت بوولي ، تيلوكيت ، تباروشت ….بعد أسبوعين من تسلقط  الثلوج. هدوء وترقب حذران. يمزقهما من حين لآخر صراخ الأطفال الصغار وهم يركضون ويلعبون بجوار القناطر والجسور المهددة بالسقوط في أي لحظة  المؤدية إلى مداخل القرى. أدخنة « الفورنوات» المستعملة في الطبخ والتدفئة تعلو سطوح البيوت الطينية وتشق خيوطا رمادية في أديم السماء الزرقاء. برودة الطقس، وذوبان الثلوج بفعل التساقطات المطرية في الجبال المحيطة بها، يجعلان من البحث عن حطب التدفئة، طقسا يوميا، وواجبا يقوم به الجميع خاصة النسوة. من بعيد تراهن يتحركن بصعوبة، بظهورهن المقوسة، يتسلقن المرتفعات الجبلية، وهن يحملن فؤوسا وحبالا بحثا عن قطع الحطب في الأماكن المجاورة، بهذه الجبال قصد استعماله في التدفئة، والطبخ.خلال موسم التساقطات تنام قرى اعالي جبال اقليم ازيلال على وقع وعود عمرت لعقود طويلة. لكنها تصحو في اليوم الموالي، وقد حاصرتها اكوام من الثلوج من كل  جانب علاوة على موجة برد قارسة تمتد لشهور عديدة في السنة. هذا هو حال قرى مدفونة بين أحضان جبال الأطلس المتوسط. ساكنتها ألفت الانتظار طويلا قبل أن تكتشف نفسها وقبل أن يعلم الآخرون بوجودها.ثلوج، وعزلة هذه السنة، لم تشفعا للمسؤولين من وزارات وقطاعات عمومية مختلفة، للتحرك لزيارتها وفك طوقها. والحقيقة أن هذه المناطق التي ضخمت الذاكرة الجماعية للمغاربة، منذ تسجيل عدة وفيات وولادات وسط اكوام الثلوج كان اخر الحالات سجلت خلال الاسبوع المنصرم بمنطقة تامدة نومرصيد التي مازال سكانها على قناعة أن تهميشها لا ينفصل عن مصير العشرات من الدواوير المجاورة والمنتشرة بين جبال لا تبعد عنها سوى بكيلومترات « ماترام كلشي يلا..» قالها «موحا» بالأمازيغية بنفرزة، وتعني « ماذا تريدون كل شيء موجود هنا» وكأنه يريد أن يطرد عنه وعن الساكنة، لعنة الانتظار القاتلة لمشهد قدوم قوافل المساعدات الإنسانية في موعد محدد من كل سنة، وكأن الجميع قدر له أن يعيش لشهرين من السنة فقط، أما بقية الشهور فالأمر لايعني الآخرين.« نحن في حاجة إلى عمل دائم.. وأوراش حقيقية» عبارة ترددت على أكثر من لسان، لخصت الصورة القاتمة للأوضاع هنا. قالها «زايد» بدوره باستياء شديد. هذا الأخير صادفنا عودته للتو من دوار تالمست بزاوية احنصال ، حيث كان في انتظار فرصة عمل هناك ليوم واحد لوضع دعامات خشبية لأحد البيوت الطينية هناك. لكن «فرحة » الحصول على عمل حتى وإن كانت لساعات قد أصابته بخيبة أمل. صاحب « المنزل» أخبره أنه لم يتوصل بالنقود من ابنه الذي هاجر إلى مدينة مراكش للعمل. جل الأسر هنا تعتمد على ما يرسله أفراد أسرها من المدن الأخرى . يئس « زايد» أخيرا، ثم عرج عائدا على قدميه إلى زاوية احنصال بعد أن تعذر عليه العثور على وسيلة نقل للعودة. فالطريق المؤدية إلى القرية، ضيقة وهي عبارة عن منعرجات، وحفر بارزة، تقطع في وجه حركة المرور وتتحول إلى خطر حقيقي « الثلوج تحول العديد من المقاطع إلى مصائد لوسائل النقل» علق باستياء شديد.لكن  رغم الخيبة، فقد كانت الابتسامة تعلو محياه كحال معظم القاطنين بأعالي جبال اقليم ازيلال. فرص العمل تكاد  تصبح حلما و ترفا إن توفرت لأصحابها. هنا لاوجود لبرامج للإنعاش الوطني أو حرف مدرة للدخل  « كنربيو شويا دلماعز، ونحطبو من الغابة باش نسخنو ونطيبو.. هاد شي لي كاين »  يقول بضيق، وحسرة. مداخيل الأسر هنا شبه منعدمة، لذلك فالعيش بهذه المناطق معناه الشعور الدائم بالحاجة، وضرورة تسطير بديل لتدبير المعيش اليومي. « إذا كانوا لايرغبون في توفير فرص عمل، فلمالا يتم تخصيص تعويض قار للأسر الفقيرة؟».شباب هذه المناطق بالمغرب العميق  وأمام الفراغ والعطالة القاتلة، فضل طريق الهجرة بحثا عن مصدر رزق بطريقة أخرى. في أوراش البناء في المدن إن توفرت، قبل أن يعاودهم الحنين إلى  العودة  يوما ما لزيارة الأقارب قبل الرحيل من جديد، أو الالتزام بإرسال «حوالات» بريدية لأفراد العائلة بالقرية، لأجل البقاء. لذلك فلاغرابة أن يشكل الهذر المدرسي هاجسا بين صفوف التلاميذ خوفا من هذا المصير، نتيجة غياب الثانويات بعد بناء بعض الاعداديات، و ايضا غياب مراكز للتأهيل المهني بعد اغلاق مركز واويزغت الذي كان يلجه عدد من الشباب  فرغم الوعود التي قدمت لإعادة فتح ابوابه لكنها تبقى فقط وعودا امام اصرار بعض الجهات لإغلاقه. فئة أخرى من الشباب، أجبرت على البقاء كحال « لحسن » من دوار ايت عبي، مجاز معطل  حالفه الحظ كبقية اقرانه القلائل ممن تجاوزوا الصعاب واتمام المسار الدراسي لكن مازال يعلق الأمل في القطع مع واقع البطالة. « أرسلت عدة طلبات، تنقلت لاجتياز عدد من الامتحانات لكنني مازلت أنتظر الخلاص والحصول على عمل مناسب لإعالة عائلتي التي كنت  وأظل حلما لإنقاذها من براثن الفقرالصحة ... معاناة لا تنتهي …المعاناة الصحية وجه آخر لمآسي هذه المناطق. وقعها كان حاضرا بقوة في أحاديث الساكنة. ظهر ذلك جليا على حالة مرافقنا الذي تجاوز عقده الخامس” اسعيد “. كان صوت سعاله يخترق صمت المكان وهو يحاول بصعوبة أن يجد له طريقا في الممرات الموحلة لقرية زركان بجماعة زاوية احنصال. قبل أن يستعيد أنفاسه قال وهو يشير إلى بناية المستوصف بالقرية  « الإصابة بالأمراض التي يسببها البرد القارس خاصة أمر شائع هنا. الأدوية العادية التي تسلم إلينا لم تعد تجدي نفعا في العلاج.. ». يسترسل بامتعاض « زوجتي عادت خاوية الوفاض عندما توجهت إلى مستوصف القرية، للحصول على الدواء المناسب لابني الصغير الذي ارتفعت حرارته بشكل مفاجئ».إحدى القاطنات بدورها بالقرية، كانت تراقب بحسرة من أمام بيتها الطيني، حركة الأطفال الصغار هناك . الأم كانت قد فقدت فلذة  كبدها، منذ سنوات تقريبا، خلال تساقطات الثلوج.  كانت فترة سوداء ، تقول والدموع تنساب على خديها، كانت المجهودات الذاتية في إنقاذ طفلها ذي الثلاثة أشهر لم تكلل بالنجاح، محاولات اسعافه فشلت، نتيجة غياب الطبيب بالمستوصف حيث يحضر الى هنا مرة كل اسبوعين، وصعوبة الوصول إلى أقرب نقطة لتلقي العلاج. لكن ورغم مرور كل هذه السنوات، فإن نفس «الكابوس» المخيف مازال يتربص بالقاطنين هنا. تواجد المستوصف لم يحل المشاكل الصحية العويصة هنا.  فلاوجود لراديو الفحص، أولأطباء اختصاصيين. أما الوصفات الطبية المسلمة من الطبيب غير الدائم، فإن المرضى  يعتبرونها حملا ثقيلا على أصحابها وعلى عائلاتهم إلى درجة أن منهم من يرفض تسلمها، لسبب بسيط أنهم لايستطيعون شراء الدواء من زاوية احنصال أو من مركز إميلشيل وهما أقرب النقط إلى الساكنة.» كانداويو بلي كاين .. معندناش لفلوس»  لذلك كان السؤال الذي تردد على شفاه عدد من الذين التقيناهم من النسوة بزركان هو » ماداموا يعلمون أننا لايمكننا شراؤها، فلماذا لايوفرون لنا الأدوية لتجنيبنا المضاعفات؟ ». أما محنة سيارة الإسعاف ، فبدورها كانت محط تذمر..لقد سجلت عدة وفيات خصوصا في اوساط النساء الحوامل والاطفال قائلا ” اسعيد ” «لو كنا نتوفر على بنية صحية لفعلنا الشيء الكثير لإنقاذهم، ولكن للأسف الشديد نقطع كيلومترات عديدة للوصول إلى أزيلال او بني ملال، لنصادف هناك بواقع صحي مزري». هذا المشكل تعاني منه كل قرى اعالي جبال ازيلال فهو ليس وليد اليوم بل إنه يعود إلى عقود عديدة، وهو مادفع السكان إلى مطالبة المسؤولين بتحسين اوضاعهم ، ،إلى درجة أنهم يعتبرون بأن أعالي جبال ازيلال  ماهي إلا الشجرة التي أخفت غابة، عنوانها :مآسي في الصحة والتعليم، والحصول على المساعدات الضرورية لمواجهة عزلة الثلوج.قوافل ومساعدات بطعم المرارة..قوافل المساعدات الإنسانية تراجع عددها هذه السنة مقارنة بالماضي القريب. مبادرات وإن اختلفت دوافعها لم تمر دون ملاحظات، بل لقد أثارت جدلا بين عدد من المقصيين منها مباشرة. إلى درجة أن عينة عريضة من الساكنة، كحال باسو، يعتبرها » نقمة « غيرت طبائع الناس هنا، وحولتهم إلى »  تواكوليين«. في انتظار حصولهم على بطانيات، ومواد غذائية..، وهي في نظره، تعمق الفقر أكثر من أن تقضي عليه. فاعلون جمعويون محليون، لم يترددوا في تصريحاتهم للجريدة في مطالبة الجهات الرسمية، بتحمل مسؤوليتها كاملة تجاه ساكنة الدواوير وبضرورة « خلق تنمية حقيقية هنا، بعيدا عن منطق المساعدات المناسباتية الذي لن يحل واقعا اجتماعيا وإنسانيا مأساويا مترديا بهذه الجماعات، ودواوير مجاورة ». نفس الرأي، لمسناه، أثناء استقائنا لشهادات القاطنين بالقرى، وباستثناء بعض الأوراش اليتيمة المتقطعة هنا وهناك، كإصلاح بعض الطرق أو بناء مرفق عمومي مازال قاب قوسين من أن تدب فيه دماء الحياة، »فإنه يسجل غياب بدائل وفرص عمل حقيقية والتي  تنعدم على طول السنة، مما يعمق من معاناتنا ..«. هكذا وصفت إحدى الشهادات الناطقة، بنوع من التبرم، الوضع بهذه المناطق النائية، قبل أن يختم قائلا » كلشي راه  مزلوط.. هنا.. «. بعض القوافل الطبية، التي زارت المنطقة، غالبا ما تخلف انتظارات بطعم المرارة لدى الساكنة.  إجراء عملية جراحية، أو متابعة العلاج لدى اختصاصي ، يعتبران من الأشياء المستحيلة، حيث يصعب الوصول إليها في ظل وضع مادي مزري ترزح تحته غالبية الأسر.. « كاين لي حتا الجلالة مقدروش احيدوها ليه من عينيه..» يضيف موحا مساعدات هذه السنة التي تعد استشنائية بحكم تزامن تساقط الثلوج مع فترة الجفاف فباستثناءمؤسسة محمد السادس التي وزعت بعض الاغطية والمواد الغذائية فلاشيء يذكر فلا زالت الساكنة تنتظر الاعلاف والوعود الحكومية التي طال امدها وبمرارة شديدة ختم قوله، وهو يشق الطريق الضيقة وسط قريته الطينية، عائدا إلى بيته في انتظار أن تتحسنسة  الأوضاع، وأن تحمل الايام القادمة بشائر جديدة.احتجاجات و مطالبالى دلك ، ومع  هدا الفصل ، تزداد مطالبة سكان اعالي الجبال و ترتفع الاحتجاجات ، للمطالبة بتخفيض اثمنة الحطب او الغاز و التسريع بمساعدة الأسر الأكثر فقرا ، و لا تخفي الارقام الرسمية ان معدلات الفقر و الهشاشة تضرب اطنابها بالمنطقة ، وتزداد حاجة الساكنة اكثر مع فصل الشتاء ، حيث تصبح فرص الشغل قليلة ، ويتراجع المدخول اليومي للعديد من الاسر ، التي ترمي بها الظرف الى بيع اثاتها ان وجدت من أجل توفير  مصاريف المرحلة في انتظار الصيف و انقشاع الغيوم التي تخيم على جيوبهم و حياتهم اليومية.